الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

224

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

« النّدم توبة » ، وأما تدارك ما فرّط فيه بسبب الذنب فإنّما يكون مع الإمكان ، وفيه تفصيل إذا تعذّر أو تعسّر ، وكيف يؤخذ بأقصى ما يمكن من التدارك . وقوله : وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا حال من الضّمير المرفوع في « ذكروا » أي : ذكروا اللّه في حال عدم الإصرار . والإصرار : المقام على الذنب ، ونفيه هو معنى الإقلاع . وقوله : وَهُمْ يَعْلَمُونَ حال ثانية ، وحذف مفعول يعلمون لظهوره من المقام أي يعلمون سوء فعلهم ، وعظم غضب الربّ ، ووجوب التوبة إليه ، وأنّه تفضّل بقبول التّوبة فمحا بها الذنوب الواقعة . وقد انتظم من قوله : ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا وقوله : وَلَمْ يُصِرُّوا وقوله : وَهُمْ يَعْلَمُونَ الأركان الثلاثة الّتي ينتظم منها معنى التّوبة في كلام أبي حامد الغزالي في كتاب التّوبة من « إحياء علوم الدّين » إذ قال : « وهي علم ، وحال ، وفعل . فالعلم هو معرفة ضرّ الذنوب ، وكونها حجابا بين العبد وبين ربّه ، فإذا علم ذلك بيقين ثار من هذه المعرفة تألّم للقلب بسبب فوات ما يحبّه من القرب من ربّه ، ورضاه عنه ، وذلك الألم يسمّى ندما ، فإذا غلب هذا الألم على القلب انبعثت منه في القلب حالة تسمّى إرادة وقصدا إلى فعل له تعلّق بالحال والماضي والمستقبل ، فتعلّقه بالحال هو ترك الذنب ( الإقلاع ) ، وتعلّقه بالمستقبل هو العزم على ترك الذنب في المستقبل ( نفي الإصرار ) ، وتعلّقه بالماضي بتلافي ما فات » . فقوله تعالى : ذَكَرُوا اللَّهَ إشارة إلى انفعال القلب . وقوله : وَلَمْ يُصِرُّوا إشارة إلى الفعل وهو الإقلاع ونفي العزم على العودة . وقوله : وَهُمْ يَعْلَمُونَ إشارة إلى العلم المثير للانفعال النفساني . وقد رتّبت هاته الأركان في الآية بحسب شدّة تعلّقها بالمقصود : لأنّ ذكر اللّه يحصل بعد الذنب ، فيبعث على التّوبة ، ولذلك رتّب الاستغفار عليه بالفاء ، وأمّا العلم بأنّه ذنب ، فهو حاصل من قبل حصول المعصية ، ولولا حصوله لما كانت الفعلة معصية . فلذلك جيء به بعد الذكر ونفي الإصرار ، على أنّ جملة الحال لا تدلّ على ترتيب حصول مضمونها بعد حصول مضمون ما جيء به قبلها في الأخبار والصّفات . ثمّ إن كان الإصرار ، وهو الاستمرار على الذنب ، كما فسّر به كان نفيه بمعنى الإقلاع لأجل خشية اللّه تعالى ، فلم يدلّ على أنّه عازم على عدم العود إليه ، ولكنّه بحسب